• ×

بلاغة خيار الصمت

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
دفعة واحدة انفجر الخلاف صعباً ومريراً، بين أبناء الجلدة الواحدة. البطون ملآنة، فقطر، حاولت دائماً أن تلعب أدوار لا تروق لكثير في الدول العربية، وأولها دول مجلس التعاون الخليجي. لا سبب وجيه لسعي قطر توسيع دورها في المنطقة، ومزاحمة دول مركزية على الريادة والتأثير. أيام الرئيس براك أوباما، كان الدور القطري مطلوبًا ومدعومًا من قبل الإدارة الأمريكية السابقة، التي أبدت تعاطفاً ودعمًا لجماعة الإخوان المسلمين، لكن اليوم ليس البارحة، فلقد جاء خطاب الرئيس دونالد ترامب مليئًا بالإسلاموفوبيا، ومعلناً الحرب على الجماعات الإسلامية المتطرفة، بما يشمل أيضاً الإخوان المسلمين.

تغيرت المواقف والسياسات، وتغيرت معها ملامح المنطقة، حيث تلاقى خطاب الإدارة الأمريكية الجديدة مع معظم دول الخليج ومصر، التي صنفت الإخوان كجماعة إرهابية، بينما ظلت قطر على حالها، غير مدركة لأبعاد سياساتها، والتي لم تعد مقبولة لدى أشقاءها الخليجيين مثل غيرهم. كان على قطر أن ترفض، وأن تعلن موقفاً مغايراً للموقف الذي تضمنته التفاهمات التي وقعت عليها دول مجلس التعاون الخليجي بحضور الرئيس الأمريكي خلال زيارته التاريخية للرياض.

من وجهة نظر موضوعية، لا فرق أساسي بين دول الخليج بما في ذلك قطر، إلا فيما يتعلق بإنفرادها على سياسة تبني ودعم جماعة الإخوان المسلمين التي وضعها التحالف العربي الإسلامي الأمريكي في الأهداف. غير أن هذا السبب كان كافيًا، لتفجير صراع الغضب على قطر مما يعني أن تفاهمات الرياض ليست مجرد حبر على ورق، ولا أنها تفاهمات مؤجلة التنفيذ. الغضب جاء عارمًا حيث أعلنت كل من الرياض وأبو ظبي والمنامة ومصر وليبيا واليمن وحتى جزء المالديف وموريشيوس عن قطع كل علاقاتها الدبلوماسية وغير الدبلوماسية مع قطر.

حين يقع خلاف كهذا بين دول عربية، تفرك إسرائيل أصابعها فرحًا وتقدم الولايات المتحدة نفسها كوسيط، ذلك أن الولايات المتحدة تغير جميع شركائها في منطقة الخليج "بالغي الأهمية" حسب مسئول في وزارة الخارجية. والولايات المتحدة والتي سبق وطالبت قطر بالالتزام بتفاهمات القمة الخليجية، وهددت بإيجاد بدائل لقواعدها العسكرية في قطر، تعود وتسجل امتنانها لقطر على دعمها للوجود العسكري الأمريكي طويل الأمد على أراضيها.

رغبة الولايات المتحدة في حل الأزمة بأسرع وقت ممكن، لا يأتي من باب الحرص على وحدة الموقف العربي، وإنما لكي تضمن أن لا يشكل الموقف القطري، اخترقاً تستفيد منه إيران وروسيا وهما الحاضرتين لاحتضان موقف الدوحة. هكذا تستمر الأيادي الإسرائيلية الأمريكية التي لم تعد خفية في تمزيق العالم العربي، لضمان مصالحها وتعميق هيمنها، وتحقيق أهدافها التوسعية. الصراع الذي نشب وما يزال يتفاقم بين قطر وعدد من الدول العربية وغير العربية، يخطف الأنظار، ويسترعي اهتمام وانتباه كل الأطراف على حساب الإهتمام بالقضية الفلسطينية التي تعاني المزيد والمزيد من التهميش. في هذا الصراع المحتدم، الأفضل للفلسطينيين أن يلتزموا الصمت رغم أن الكفة تميل على نحو واضح لصالح الأطراف الأخرى وليس لصالح قطر. الفلسطينيون خاسرون في كل الأحوال، فبالرغم من كل ما يقال عن قطر وسياساتها تجاه العلاقة مع إسرائيل، وتجاه أطراف الانقسام الفلسطيني إلا أنها فعليًا قدمت الكثير من المساعدات للشعب الفلسطيني.

لكن هذا الموقف ينبغي أن يكون البوصلة للتعامل مع كل الدول العربية وليس فقط في حالة الأزمة الراهنة، وهو ما لا يفعله الفلسطينيون مع دول عربية أخرى، الأمر الذي أدى إلى خسارة الدعم الذي تقدمه تلك الدول، وبدون أسباب مقنعة.

الكاتب طلال عوكل

الكاتب : طلال عوكل
 0  0  180